محمد متولي الشعراوي

5989

تفسير الشعراوى

ولذلك إن لم يردع اللّه - سبحانه وتعالى - الظالم في الدنيا قبل الآخرة لاستشرى الظلم ، وإذا استشرى الظلم في مجتمع ، فالبطالة تنتشر فيه ، ويحاول كل إنسان أن يأخذ من دم وعرق غيره ، وبهذا يختلّ ميزان العدل وتفسد حركة الحياة كلها . وهب أن الظالم أخذ ملك الدنيا كلها ، وأراد أن يفتدى به نفسه ساعة يأتي العذاب ، ويفاجأ بأن كسبه من حرام لا يقبل فداء ، أليس هذا هو الخسران الكبير ؟ وهذه ظاهرة موجودة في دنيا الناس . وهب أن واحدا ارتشى أو اختلس أو سرق ، ويفاجئه القانون ليمسكه من تلابيبه « 1 » فيقول : خذوا ما عندي واتركونى . ولن يقبل القائمون على القانون ذلك . وإن كان مثل هذا التنازل يحدث في ( الجمارك ) فنرى من يتنازل عن البضائع المهربة مقابل الإفراج عنه ، هذا ما يحدث في الدنيا ، لكنه لن يحدث في الآخرة . وفي سورة البقرة يقول الحق سبحانه : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ « 2 » وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 ) [ البقرة ] وقال الحق سبحانه في آية أخرى :

--> ( 1 ) التلابيب : مجامع ثياب الرجل . والتلبيب : هو جمع الثوب الذي يلبسه عند صدره ونحره ، وجرّه . [ اللسان مادة لبب ] . ( 2 ) العدل : الفدية المماثلة ، قال تعالى : وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ . . ( 48 ) [ البقرة ] أي : لا ينجيها من العذاب دفع فدية مماثلة ولا تقبل منها . وعدل الشئ وعدّله أقامه وسواه ، قال الحق : الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ( 7 ) [ الانفطار ] وعدل المشرك بربه : جعل له مساويا . قال تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ . . ( 1 ) [ الأنعام ] وما كان ينفى أن يعدلوا غيره ، فليس كمثله شئ ، ومثلها قوله : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) [ النمل ] أي : يجعلون له شريكا مساويا . وأما قوله : وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 181 ) [ الأعراف ] أي : يحكمون بالعدل [ القاموس القويم ] .